العلاج المعرفي السلوكي
هل تعاني من ألم مزمن؟ هل جربت العديد من الأدوية والإجراءات وربما بعض العمليات الجراحية ومع هذا تحسنك لم يكن كافيا؟ وما زال ألمك يؤثر على جودة حياتك؟ ماذا لو أخبرتك أن مفتاح التعامل مع هذا الألم يوجد في عقلك؟
الألم المزمن هو الألم الذي يستمر لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر، وبناء على الإحصاءات فهو يؤثر على نسبة تقدر ب ٣٠٪ من سكان العالم، وهذه النسبة تعتبر مرتفعة وذات تأثير كبير لما يحمله الألم المزمن وتبعاته من أعباء اقتصادية واجتماعية على الأفراد والدول.
الشعور بالألم هو إنذار بالخطر يطلقه دماغنا، حتى نتصرف وننقذ أنفسنا من هذا الخطر، قد يكون هذا الخطر أن جلدك يلامس شيئا ساخنا فتبتعد عن هذا الشيء الساخن استجابة لهذا الإنذار وقد يكون نزيفا في الدماغ ف يلجأ أحدهم للطوارئ لأنه يعاني من ألم شديد ومفاجئ في الرأس، ليتبين وجود النزيف ويتم إنقاذه من مضاعفات خطرة تؤثر على حياته. لذا الشعور بالألم أساسي لنتمكن من إيجاد الخطر والتخلص منه. لكن في بعض الأحيان يستمر الشعور بالألم حتى بعد إنتهاء المشكلة العضوية، أي أن صفارات الإنذار ما زالت تعمل في دماغك على الرغم من زوال الخطر.
وجود صافرة الإنذار (الشعور بالألم) سواء بوجود الخطر من عدمه (وجود سبب عضوي أم لا) يشكل مشاعر سلبية لدى الفرد من خوف أو توتر أو إحباط وقد تترافق هذه المشاعر مع أفكار سلبية مثل: لن أستطيع الاستمتاع بحياتي،حياتي أصبحت جحيما مع هذا الألم، لن أمارس حياتي بشكل طبيعي بعد اليوم وغيرها من الأفكار التلقائية السلبية، وهذه المشاعر والأفكار تزيد من شدة الألم وبالتالي تأكيد هذه الأفكار ومشاعرها وزيادتها وهكذا نبقى ندور في هذه الحلقة، كل نقطة فيها تعزز النقاط الأخرى. قد يخيّل إليك أن دائرة المعاناة هذه لا يمكن كسرها، والحقيقة هي عكس ذلك، كسر هذه الدائرة هي الطريقة للخروج من هذه الدوامة ومعرفة كيفية التعامل مع الألم بشكل صحيح.
كيف نكسر حلقة المعاناة؟
بما أن الدماغ هو مصدر الشعور بالألم سواء في حالات وجود سبب عضوي للألم أو حتى مجرد إنذار خاطئ وأيضا عقلنا هو مصدر الأفكار السلبية التي تعزز من شدة الألم من المهم العمل على الدماغ والعقل لنستطيع التخلص من هذا الألم أو اكتساب قدرة على التعامل معه لعيش حياة ذات جودة أفضل.
يقدم الطب الحديث عدة أساليب للتعامل مع الألم من الناحية النفسية، ويعد العلاج المعرفي السلوكي واحدا من أهم الأساليب التي تركز على الأفكار التلقائية السلبية وإعادة برمجتها لكسر دائرة الألم.
ما هو العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy)؟
يقوم العلاج المعرفي السلوكي على مراقبة ركائز مثلث الإدراك أو المثلث المعرفي (Cognitive triangle) والعمل عليها، وهي:
- الأفكار (Thoughts): هي ما يخطر على بالنا أو حديثنا الداخلي عند حدوث موقف ما وتكون مستمدة بالعادة من معتقداتنا عن أنفسنا و/أو عن العالم الخارجي واالآخرين.
- المشاعر (Emotions): هي استجابتنا العاطفية تجاه المواقف كالخوف أو القلق أو الغضب وغيرها من المشاعر.
- السلوك (Behaviour): الفعل الذي تقوم بعمله كاستجابة للأحداث.
كما توضح اتجاهات الأسهم في المثلث أعلاه أن العلاقة بين النقاط الثلاثة علاقة تفاعلية، حيث أن كل نقطة تؤثر وتتأثر في النقاط الآخرى، لو كنت على سبيل المثال مصابا بالفايبروميالجيا، بسبب الألم قد تراودك بعض الأفكار مثل: أنا عاجز تماما، لا يمكنني أن أنجح في شيء طالما أنني أتألم، وهذه الأفكار قد تشعرك بالعجز والإحباط وربما الغضب، وربما قد تنعزل عن حياتك الاجتماعية بسبب هذه الأفكار والمشاعر، وبالتأكيد انعزالك سيؤدي إلى تأكيد هذه الأفكار ومضاعفة هذه المشاعر، هل رأيت كيف أن فكرة قد ولدت شعورا وسلوكا، والشعور والسلوك أكدا على هذه الفكرة، وكل ركيزة في الحقيقة أكدت على الركيزة الأخرى بشكل سلبي.
لجعل نتائج هذا المثلث إيجابية يمكنك اختيار ركيزة واحدة والعمل عليها لتصبح إيجابية، بالتالي ستؤثر على الركيزتين بشكل إيجابي، أي يمكنك عيش حياة ذات جودة أفضل، يؤمن العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy) أن الفكرة هي الركيزة الأسهل التي يمكنك العمل عليها وتغييرها.
إعادة الهيكلة المعرفية (Cognitive restructuring) هي التقنية الأساسية المستخدمة في العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy) لتحديد الأفكار التلقائية السلبية/المشوهة وتحليلها وإثبات مدى صحتها من عدمه، وتعديل اللازم منها أو التخلص من الأفكار الخاطئة تماما وتبني أفكار جديدة.
بما أن مرضى الألم المزمن يميلون في الغالب إلى ما نسميه التفكير الكارثي (Catastrophic Thinking)، أي أفكارهم تحتوي على كلمات ذات حكم متطرف مثل: لن أتحسن أبداً، الألم دمّر حياتي، من المستحيل أن أعود لممارسة حياتي الطبيعية مع هذا الألم. وبسبب هذا التفكير عادة ما يتولد شعور الخوف وبالتالي تجنب الحركة، وهذا الشعور والسلوك التجنبي يغذيان الألم وهكذا يعلق الأفراد في ألمهم كما وضحنا سابقا.
يسعى العلاج المعرفي السلوكي إلى تحديد هذه الأفكار الكارثية والوعي بها ثم تحليلها وتغييرها وجعلها أكثر واقعية، وبالتأكيد العلاج لا يقتصر فقط على العمل على الأفكار، ف هناك تقنيات أخرى تساعد في هذه الرحلة، مثل تقنيات التنفس العميق والاسترخاء العضلي، ووضع خطة لبعض الأنشطة التي تتناسب مع المرحلة وغيرها من التقنيات، تعمل جميعها لرفع جودة حياة الفرد وعودته لممارسة حياته بأفضل شكل ممكن.
في عيادة الدكتور سامر عبد العزيز، كل مراجع لدينا يحظى على خطة علاج منفردة، حيث أننا نعمل على كل من الجانب النفسي والجسدي، لتحسين جودة الحياة.
https://www.thelancet.com/series-do/chronic-pain


