إعادة برمجة الألم (Pain Reprocessing Therapy (PRT
حوالي ١.٢ مليار شخص في العالم يعانون من الألم المزمن، هناك أساليب متنوعة لعلاج الألم المزمن، كالعلاج الطبيعي والأدوية والإجراءات التداخلية كالتي نقدمها في عيادتنا، ووصولا إلى العمليات الجراحية في بعض الحالات. جميعها أثبتت فاعليتها في العلاج، لكن هناك العديد من المرضى الذين خضعوا للعلاجات السابقة جميعها أو جزء منها ولم يلحظوا أي تحسن، وهناك العديد من المرضى الذين أكد لهم أطباؤهم أنه لا يوجد أي مشكلة عضوية لديهم، أي لا يوجد تفسير للألم المزمن الذين يعانون منه.
إذا كنت واحدا من المرضى في المثال السابق لا بد أنك تتساءل دائما: إذا كان لا يوجد مشكلة عضوية لدي، هل شعوري بالألم مزيف أو غير حقيقي؟ سؤال منطقي تماما، والإجابة: ألمك حقيقي تماما، ويمكنك التخلص أو التقليل منه، لكن بأساليب مختلفة عن العلاج التقليدي.
كيف نشعر بالألم؟
إذا لامست يدك شيئا ساخنا، ستشعر بالألم ومباشرة ستبعد يدك، هل تساءلت كيف يحدث هذا؟ عند ملامسة يدك للشيء الساخن تقوم أعصابك الطرفية الحسية بإرسال إشارات للدماغ، ويفسر الدماغ هذه الإشارات كخطر جسدي حيث أن جلد يدك عرضة للحرق، فتشعر بالألم ويرسل أوامر تصل في النهاية لعضلات الذراع للابتعاد عن مصدر الخطر، وبذلك دماغك يحميك من الأذى.
ينطبق الأمر ذاته على الشخص الذي يعاني من آلام في أسفل الظهر والساق بسبب نتوء الديسك، تصل إشارات للدماغ فيرى أن هذه المشكلة تشكل خطرا، فيرسل إشارات الألم في المنطقة المسؤول عنها العصب المضغوط بسبب نتوء الديسك وبذلك الشخص يكون مدركا أن هنالك مشكلة ويسعى لحلها بزيارة الطبيب.
إذاً وصلنا الآن لنتيجة أن أي شعور بالألم ينشأ في الدماغ، أي أن الدماغ هو مصدر هذا الشعور، وفي الأمثلة التي ذكرناها سابقا الدماغ فهم الإشارات السابقة كخطر جسدي وترجمها لإحساس الشعور بالألم، لحمايتك.
في بعض الأحيان يخطئ الدماغ في ترجمة بعض الإشارات على أنها خطر وبناء عليه يتولد الشعور بالألم في منطقة معينة بالجسم أو مناطق متفرقة، على الرغم من عدم وجود أي مشاكل عضوية، وفي هذه الحالة العلاجات التقليدية لا تحقق أي نتائج إيجابية.
اللدونة العصبية المرتبطة بالألم Neuroplastic pain تطلق على ربط الدماغ لمشاعر أو حركات أو أنشطة معينة بالشعور بالألم، حيث أن الدماغ يفسر الإشارات بشكل خاطئ ويعتبرها إشارات خطر وبالتالي يشكل الدماغ مسارات عصبية تربط شعور عاطفي معين كالقلق أو أي نشاط معين بالشعور بالألم، وفي كل مرة يتكرر هذا الشعور أو النشاط يترافق معه الشعور بالألم.
كيف يمكن التخلص من اللدونة العصبية المرتبطة بالألم Neuroplastic pain ؟
باستخدام أساليب وتقنيات تعمل على الفصل بين شعور عاطفي أو نشاط أو حركة ما والشعور بالألم، أي تدريب الدماغ للتخلص من المسارات العصبية المسببة للألم، ومن الأساليب التي أثبتت فاعليتها في التعامل مع اللدونة العصبية المرتبطة بالألم Neuroplastic pain هو العلاج بإعادة برمجة الألم (Pain Reprocessing Therapy (PRT.
ما هو العلاج بإعادة برمجة الألم (Pain Reprocessing Therapy (PRT ؟
العلاج بإعادة برمجة الألم هو نهج نفسي-علاجي مبني على علم الأعصاب، والهدف منه التقليل أو التخلص من الآلام المزمنة. الفكرة الجوهرية التي يقوم عليها هذا العلاج هي أن الكثير من الآلام المزمنة ليست بسبب مشاكل عضوية، بل تفسير خاطئ في دائرة الألم من قبل الدماغ.
يوجد العديد من الدراسات التي تناقش مدى فاعلية العلاج بإعادة برمجة الألم (Pain Reprocessing Therapy (PRT أهمها Boulder Back Pain Study التي أجريت في جامعة كولورادو بولدر البحثية، في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ضمت الدراسة ما يقارب ١٥٠ شخصا يعانون من ألم الظهر المزمن وتم تقسيمهم إلى ٣ مجموعات: المجموعة الأولى خضعت للعلاج بإعادة برمجة الألم.
(Pain Reprocessing Therapy (PRT، حيث يخضع المرضى لجلستين من العلاج كل أسبوع على مدار ٤ أسابيع، المجموعة الثانية خضعت للعلاج الوهمي المعلن Open-label placebo حيث تم حقنهم بمحلول ملحي والمرضى على علم أنه محلول ملحي بلا أي تأثير علاجي، المجموعة الثالثة بقي المرضى على علاجاتهم المعتادة دون أي إضافات. أظهرت النتائج الأولية بعد شهر واحد من العلاج أن نسب المرضى الذين تخلصوا من الألم تماما أو ما يقارب ذلك كانت كالتالي: ٦٦٪ من مرضى مجموعة العلاج بإعادة برمجة الألم (Pain Reprocessing Therapy (PRT، ٢٠٪ من مرضى العلاج الوهمي المعلن، و ١٠٪ من المرضى الذين بقيوا على علاجاتهم المعتادة دون أي إضافات. وخضع مرضى المجموعات الثلاث لتصوير رنين مغناطيسي وظيفي للدماغ بعد وقبل العلاج، وأظهر مرضى مجموعة العلاج بإعادة برمجة الألم (Pain Reprocessing Therapy (PRT تغيرا ملحوظا في المناطق المسؤولة عن الشعور بالألم في الدماغ. وتم متابعة المرضى بعد ٣ أشهر وبعد عام كامل، وكانت النسب تشير أن المرضى الذين خضعوا لعلاج إعادة برمجة الألم (Pain Reprocessing Therapy (PRT كانت نسبة تحسنهم أعلى من مرضى المجموعتين الأخرتين. (١)
وبناء على نتائج الدراسة أعلاه، أثبت العلاج بإعادة برمجة الألم (Pain Reprocessing Therapy (PRT كفاءته بالتخلص أو التقليل من الألم مقارنة مع طرق العلاج الأخرى.
نقدم في عيادتنا العلاج بإعادة برمجة الألم للمرضى الذين نعتقد أنه مناسب لحالتهم ضمن خطة علاجية متكاملة، حيث أننا في العيادة نقدم تقنيات علاجية متعددة مثبت علميا فاعليتها لعلاج الألم.
المقال من كتابة: د. شذى التميمي.
https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/34586357/


